أن تموت مرغما ً … وتصمت حتى عن البكاء !
مبتسما ً.. ودعتهم أحمل جسداً مغرقاً بكمد دفين , بحثاً عن أجنحة تحلق بي نحو غد مشرق.
بكوا فراقي.. أما هي لوحت بيدها المرتجفة بوهن حتى الدموع كلت من هدير لاينقطع ..وفي عيون الأطفال منهم حيرة وقلق لايعلمون كنهه , حينها وددت لو أستطيع ضمهم لصدري لأهمس في آذانهم “ستكبرون …ولن تلومونني ”
مضيت , أجرجر هموماً وبقايا أحلام لملمتها خوفاً من أن تطير لأبعد سماء كأحلامهم …وحينها لاتعود ..لاتعود
لم تبك السماء وداعاً لي كما في الروايات التي تملأ دولابي الفقير من كل شيء !
بحنان أبوي دثرتني الشمس بأشعتها, مسحت على رأسي, هربت لي بعضاً من الراحة الممزوجة بحذر شديد كما نهرب لقمة تكاد لاتسد رمق الجوعى في مخيمات الرعب تلك …
لمعت عيناي سعادةً وحبور ..رحلتي بدأت الآن وستنتهي على عكس النهايات البائسة التي نشأت عليها .
ارخيت رأسي على المعقد الأمامي ..كانت سيارة الأجرة متهالكة ايضاً ككل الأشياء التي نشأت وعشت 21 عاماً من عمري فيها , حاولت فتح نافذة السيارة إلا أن السائق اللاجئ تمتم مبتسماً ” عمرها انتهى تضامن معنا في يوم تخلى الكل فيه عنا ” ضحكت بألم و اكتفيت بالنظر للمخيم من خلف النافذة المكسوة بالغبار فحتى لو فتحت لن يتغير شكل تلة الحطام تلك !
بعدد صلوات الكهالى وآهاتهم في موطني ..أتألم …
أعجب من قولهم “عندما تعتاد على الألم لاتشعر به “ فأنا عرفت الحياة مهاجراً وللهجرة الثانية طعم الألم الأعظم ! وكيف لاتكون أقسى وصوت نحيب أمي يحاصرني وخيبات المهاجرين الأوائل تضرم ناراً في جسدي …وفي داخلي يجتمع النقيضان احباط وأمل !
عندما وصلت بعد سفر طويل , رأيت بها شموخاً زلزلني وطمأنينة تلفها آنستني ,بكيت بشدةكطفل في المهد.. رفعت يداي للسماء ودعوت الله أن يرزق أمي عمرة كما رزقني وجسدي النحيل يقطر اخلاصاً وخشوع.
بعد اسبوع من وصولي انتظمت في الدراسة كانت بوابةجامعة أم القرى التي حصلت على منحة للدراسة بها بمثابة بوابة العبور نحو المستقبل, وهناك التقيت به …
-مازن بن هاشم !
-تعرفني ؟
-انا فارس عبد الجليل جاركم بالمخيم ..تركته من 15 سنه واستقريت هنا بمكة .
- سمعت عنك من اخوتي ,كنت صغيراً عندما رحلت عن المخيم .
- كيف أنتم وكيف المخيم ؟
- آه ماذا احكي , اوضاعنا تتدهور يوماً عن يوم …
- وكيف أمورك في مكة ؟
- الحمدلله , إلا اني ابحث عن عمل مناسب .
- لا عليك , أترك أمر عملك علي .
وبعد عدة أيام ساعدني فارس في الحصول على عمل يتوافق مع ساعات دراستي فأصبحت أجني مبلغاً من المال لابأس به منه أقتات وأدخر الباقي حتى أنني بعد فترة ليست بالقليلة حصلت على ما يحلم به كل شاب , على الرغم من انها متواضعه جداً إلا أنها استطاعت أن تصبح حبيبتي الأثيرة ! خفت عليها واعتنيت بها كل العناية لدرجة أنني عندما أركنها أغطيها بقطعه قماش أشتريتها خصيصا لها متجاهلاً كل تعليقات الطلاب وهمزاتهم ,وفي يوم غائم توجهت للجامعه سعيداً برذاد المطر الذي يتساقط بخفه على الزجاج الأمامي لسيارتي دقائق مرت حتى بدأ المطر يتسابق لحجب الرؤية عني بحثت عن الزر الذي يمسح الزجاج كنت حديث عهد بالسيارات لم أجده ..واصلت البحث عنه لثواني بدت لي كأنها سنوات خففت السرعه وحينها شعرت وكأنني في أحد العاب (الملاهي )القريبه من المخيم كنا ننظر لها طوال العام ولا نستطيع ركوبها إلا في العيد إلا أنني هذه المرةكنت اصرخ هلعاً !
المخيم ! أمي ..أخوتي ! تذكرت عجائزاً فقدن حياتهن لعدم توفر الدواء ,تذكرت أطفالاً لم يجدوا مكاناً للعب سوى عند قنوات الصرف الصحي ,تذكرت شباباً تلاشت أحلامهم وأيديهم غطاها التراب يشيدون مباني ويقطنون في العراء, وعدوهم يرتع في أرضهم المسلوبه !
كيف أشغلتني دنياي عمن عاهدت نفسي على ايصال قضيتهم-قضيتي – المنسية للعالم ؟
ارتطمت بجدار وتوقفت السيارة أخيراً ..
أرى أضواء حمراء وزحام كثيف حولي , سجدت شكراً لله فقدت الأثيرة ولكنني أستعدت نفسي التي تاهت .

اغسطس 29, 2008 عند 8:25 م |
ومن يعيد له قضيته المسلوبة ؟
كم من الأشياء التافهة يجب أن نخسرها .. حتى تعيد لنا الحياة ؟!
إن كان ثمة يقظة !!
مسجونون .. ولا تحين مهرب .. أو قضبان تحفز فينا غريزة الخلاص !!
يالله .. أنقلنا إلى سماوات أرحب .. أعلى .. أنقى ..
فهناك .. أحلام تطير بسلام ..
اغسطس 31, 2008 عند 10:02 م |
“يالله .. أنقلنا إلى سماوات أرحب .. أعلى .. أنقى ..
فهناك .. أحلام تطير بسلام ..”
صدقت …هناك أحلام تطير بســلام
شكراً جزيلاً …